
في صيف لاهب من عام 2006 وفي منطقة الحدود الشمالية الغربية من المملكة كانت أسرة سليمان العتيق تستعد لرحلة اعتيادية من محافظة القريات إلى مدينة حائل لم يكن في حسبان أحد أن هذه الرحلة التي يفترض أن تستغرق ساعات قليلة ستتحول إلى مأساة استغرقت شهورا طويلة من الغموض والقلق والبحث المحموم في صحراء قاسية لا ترحم
مجددا في البداية ظن أقاربه أن هناك طارئا بسيطا لكن مع مرور الوقت بدأت علامات القلق تظهر خصوصا أن الأمر تجاوز الأسبوع الأول
بعد مضي شهر كامل قرر إبراهيم العتيق شقيق سليمان أن يتقدم ببلاغ رسمي إلى شرطة حائل يفيد فيه باختفاء أخيه وعائلته في ظروف غامضة تم تسجيل البلاغ وبدأت الأجهزة الأمنية والدفاع المدني على الفور في التعامل مع القضية على أنها حالة فقدان طــ,ارئة
-
استحمامأبريل 3, 2026
-
علامة ليلة القدرمارس 11, 2026
-
الوضوءيناير 14, 2026
-
حب معلق بقلم سماديسمبر 17, 2025
اتجهت جهود البحث نحو صحراء النفود الكبير وهي واحدة من أكبر الصحارى في المملكة تمتد على مساحة شاسعة تقدر ب ألف كيلومتر مربع أي ما يزيد ثلاث مرات عن مساحة دولة الكويت
صحراء النفود ليست مجرد كثبان رملية بل هي متاهة طبيعية من الرمال والحرارة والعزلة وفي فصل الصيف تصل درجات الحرارة فيها إلى 45 درجة مئوية أو أكثر مما يجعل من أي رحلة داخلها مخاطرة حقيقية
استعين في عمليات البحث بمروحيات سيارات دفع رباعي وأعداد كبيرة من المتطوعين إلى جانب قوات الدفاع المدني وشرطة حائل إلا أن النتائج كانت دائما محبطة لا إشارات لا آثار إطارات لا بقايا وقود لا شيء
مرت الأيام وتحول الأمل إلى يأس لم يكن أحد يصدق أن عائلة مكونة من خمسة أشخاص بينهم أطفال وامرأة تختفي هكذا بلا أي أثر تعددت النظريات وتداول الناس الشائعات وازدادت التساؤلات
هل ضلوا الطريق وغاصوا في الرمال
هل تعرضوا لحاد,ث مميت
يطرق أبواب البدو يتحرى في كل قرية يسأل عن أخيه يبحث عن أي معلومة صغيرة يمكن أن تقوده إليهم لكن لا أحد رآهم ولا أحد سمع عنهم شيئا
في يوم الخميس الموافق 7 سبتمبر 2006 وبعد ثلاثة أشهر كاملة من الاختفاء كان أحد شباب البادية يدعى مسلم السويدي قد أدى صلاة الفجر وخرج ليتفقد الماشية التي يملكها والده والتي ترعى في عمق صحراء النفود
وبينما كان يتنقل بسيارته في الصحراء لاحظ من بعيد جسما غريبا سيارة تبدو مغروسة في الرمال وشكلها يوحي بأنها مهجورة منذ فترة اقترب منها بفضول ولاحظ أن أبوابها مفتوحة والزجاج الخلفي مكسور وهناك رائحة غريبة تملأ المكان
نزل مسلم السويدي من سيارته ببطء وهو يشعر بانقباض شديد في صدره اقترب من السيارة وبدأ يتحقق مما حولها تقدم
بعد أن أبلغ الشاب مسلم السويدي السلطات بالعثور على جثة امرأة بجانب سيارة مهجورة انطلقت فرق الأمن والدفاع المدني بأقصى سرعة نحو الإحداثيات التي زودهم بها الموقع كان عميقا داخل صحراء النفود بعيدا عن أي مسار معروف أو طرق ممهدة
وصلت أولى
سيارات الشرطة وبعدها الدفاع المدني وكانت المروحية تجوب السماء في نفس اللحظة منظر السيارة كان صادما الرمال قد غطت جزءا منها وأثر الرياح والرمال أزال كل معالم الإطارات الزجاج الخلفي كان مهشما وأبواب السيارة جميعها مفتوحة وكأن الركاب تركوها على عجل
بدأ رجال الأمن البحث في محيط السيارة وتم فرض طوق أمني حول الموقع لم تمض ساعات حتى بدأوا بالعثور على الجثث الأخرى متناثرة في محيط السيارة بعضها بعيد عشرات الأمتار
الجثة الثانية كانت لرجل يعتقد أنه سليمان العتيق نفسه وجد على بعد نحو 30 مترا من السيارة مستلقيا على ظهره
الجثتان الثالثة والرابعة كانتا لطفلين أحدهما وجد تحت ظل صخرة صغيرة والآخر وجد ملفوفا ببطانية بجانب كومة رملية في محاولة يائسة من والدتهم على ما يبدو لحمايته من الشمس الحارقة
الجثة الخامسة لطفلة صغيرة كانت الأقرب للسيارة وكأنها حاولت الرجوع إليها دون أن تتمكن
كان المشهد مأساويا بكل ما تحمله الكلمة من معنى صمت يخيم على الجميع وعيون دامعة وقلوب مكلومة أمام فاجعة إنسانية لم تكن بالحسبان
تم نقل الجثث إلى حائل لإجراء الفحوصات من قبل الطب الشرعي والذي أكد بعد ساعات أن الوفاة كانت نتيجة العطش وضربات الشمس حيث لم يعثر على أي آثار عــ,نف أو مقاومة أو طلــ,قات نـ,ارية
التقرير أوضح أن العائلة تاهت في الصحراء وأن السيارة قد تعطلت نتيجة غرزها في الرمال وربما فرغ البنزين أو توقفت بسبب ارتفاع درجة الحرارة حاول سليمان على الأرجح السير للبحث عن نجدة بينما بقيت الأسرة تحاول الاحتماء قدر الإمكان
ولكن حرارة الشمس وقسوة الصحراء كانت أقوى من محاولاتهم للبقاء
بناء على التحليلات افترضت الجهات الأمنية أن سليمان سلك طريقا صحراويا كان يستخدم قديما قبل تعبيد الطريق الرسمي ربما اختصارا للمسافة إلا أن الطريق لم يكن مجهزا وخصوصا في فصل الصيف القاسي
لم تكن هناك إشارات استغاثة مرسلة
لم يتم استخدام الهاتف المحمول إما لعدم وجود شبكة أو نفاد الشحن
السيارة كانت محملة بعدد محدود جدا من المياه أقل بكثير من الحد الكافي لعائلة كاملة
لا يوجد جهاز GPS داخل السيارة ما جعل مسألة العودة أو تحديد الاتجاه الصحيح شبه مستحيلة
الخبر نزل كالصاعقة على أهالي حائل والقريات والمملكة عموما الناس بكوا وتفاعلوا مع الحاد,ثة على نطاق واسع مواقع الإنترنت والمنتديات ضجت بالتعازي وتحولت القصة إلى قضية رأي عام
الناس تساءلوا كيف لعائلة أن تختفي 3 أشهر دون أن يعثر لها على أثر! لماذا لم تكن هناك علامات واضحة لماذا لم تكن هناك كاميرات مراقبة في نقاط العبور الصحراوية أين كانت طائرات البحث حينها
الجهات الرسمية من جانبها ردت بأنهم قاموا بما في وسعهم لكن صحراء النفود الشاسعة وعشوائية المسار صعبت عملية العثور عليهم
في مشهد مهيب شيعت جثامين أفراد عائلة سليمان العتيق إلى مثواهم الأخير في مدينة حائل شارك الآلاف في الجنازة نساء ورجالا وأطفالا الجميع كان يبكي بحرقة فالمأساة لم تكن مأساة عائلة واحدة فقط بل صارت مأساة وطن
دفنت الأسرة بجانب بعضها البعض كتب على شاهد القبور عبارة بسيطة
هنا يرقد سليمان وزوجته وأطفاله ضحايا الصحراء والقدر
تحولت قصة سليمان العتيق من مجرد حادث مأساوي إلى درس عميق لكل من يسلك طرق السفر الصحراوية دون استعداد كاف أصبحت قصتهم تذكر دائما عند الحديث عن خطورة السفر في النفود وأهمية التجهيز الجيد وتوفير وسائل النجاة
الجهات الرسمية بعد الحادثة بدأت بتحديث خرائط الطرق وتركيب لافتات تحذيرية على الطرق الصحراوية وزيادة التوعية حول خطورة المسارات المهجورة
رغم وضوح الرواية الرسمية إلا أن البعض من المتابعين لم يقتنعوا بالكامل ظهرت تساؤلات على المنتديات مثل
هل من الممكن أن تكون هناك جهة ما أخفت السيارة عمدا
لماذا لم ترصد حرارتهم بالأقمار الصناعية
لماذا لم تظهر السيارة إلا بعد 3 أشهر رغم مرور الحملات من المنطقة نفسها
لكن السلطات أكدت أن الطبيعة القاسية للرمال وحركة الرياح وغياب إشارات إلكترونية جعلت عملية الكشف صعبة جدا
قد تكون القصة انتهت جسديا لكن في قلوب الناس ما زالت مفتوحة حكاية حزينة
مؤثرة لكنها في الوقت ذاته تذكير قوي بأن الصحراء لا ترحم وأن أي خطأ بسيط في قرار السفر يمكن أن يكلف حياة كاملة
عائلة سليمان العتيق أصبحت رمزا لا للضعف بل للغفلة التي يجب ألا تتكرر







